تعاونية “إفسر” للنسيج: النساء القرويات محرك ديناميكي للدورة الإنتاجية بإقليم أزيلال

قرية تانغملت/إقليم أزيلال – تمثل التعاونية الحرفية “إفسر” للنسيج الملاذ الوحيد للنساء بقرية “تانغملت” الجبلية بإقليم أزيلال، للخروج من حالة التهميش، والسعي للاندماج الاجتماعي والاقتصادي، من خلال الاندراج في دورة إنتاجية وتسويقية للزربية المحلية، تكفل لهن وضعا ماديا واعتباريا لائقا.

فعلى بعد ثمانية كيلومترات من شلالات أزود الشهيرة، وبين هضاب وجبال عالية وسواقي وعيون عذبة، تنتصب زاوية “تانغملت” التي شيدت في القرن السابع عشر الميلادي، وانتظمت حولها قرية جبلية ذات خصوصية طبيعية وعمرانية متميزة بشكل بناياتها وبيوتاتها الطينية المتراصة والمتداخلة، غير أنها ظلت متخلفة عن دينامية تنمية تستجيب لحاجيات الساكنة، وتهيمن عليها مظاهر الهشاشة الاجتماعية للأسر، وضعف النسيج الاقتصادي ، وغياب فرص الشغل ومصادر الدخل القارة ….

وأمام هذا الواقع الصعب، ومع محدودية الأنشطة الاقتصادية التي تنحصر في حرف يدوية تعرفها المنطقة من قبيل صناعة “السلات” التي ترتبط بموسمي جني كل من الزيتون واللوز وصناعة برادع الدواب ومستلزماتها وبعض الأواني ذات الاستعمالات المتعددة، ستتجند طاقات شابة بتانغملت، لتأسيس تعاونية “إفسر” بهذه القرية التابعة لجماعة آيت تاكلا، تختص في صناعة الزرابي التقليدية، والمنتوجات النباتية.

لقد انطلق هذا المشروع من رهان يتمثل في ضرورة استثمار المواد والمنتوجات الطبيعية التي تزخر بها المنطقة ، كمواد خام في صناعة الزرابي المحلية، ولكن قبل ذلك تحرير الموارد البشرية بالقرية، وضمنهم النساء ، بهدف خلق فضاء يستثمر في الطاقات النسائية بالقرية، وإخراجها من عزلتها ورتابة ونمط حياتها، وتحفيزها على تطوير نماذج للتشغيل الذاتي، وتحقيق دخل يلبي الحاجيات الأساسية للأسر المحلية التي تشكل الأرامل أغلبيتها، وتخليصها بالتالي من براثن الفقر الذي ترتفع مؤشراته بهذا الوسط القروي.

وهكذا ستتمكن هؤلاء النساء، كما يوضح الكاتب العام للتعاونية فهد فاتيحي في حديث مع وكالة المغرب العربي للأنباء، بطموح وإرادة لا تلين من تنشيط دورة إنتاجية محلية وتفجير طاقاتهن الإبداعية في صناعة الزرابي، ارتكازا على سلسلة عمليات تحويلية مهنية متخصصة، تبدأ بتوفير المواد الخام من صوف محلي وفرزه وغزله ومشطه، تليها عمليات التصبين والصباغة الطبيعية اعتمادا على المواد الأولية والمنتوجات النباتية المحلية، المستخرجة من مواد كالخرقوم والحناء والرمان والنيلة، وأخيرا تسويق هذا المنتوج بأسواق محلية خصوصا بأوزود وبعض مناطق إقليم أزيلال…

كان هاجسنا في بداية التأسيس سنة 2019 ، يضيف فاتيحي، يتمثل في العمل على النهوض بالوضعية الاقتصادية والاجتماعية لنساء القرية والتعاونية على وجه الخصوص، عبر تحفيزهن للانخراط في هذه الدينامية وضمان استقلاليتهن المالية، والمساهمة في تنشيط الحركية الاقتصادية لمنطقة تعاني الخصاص، على أساس أن يرافق ذلك برنامج تعتزم التعاونية تطويره، يتضمن دروس محاربة الأمية وأنشطة ثقافية وترفيهية موازية كالمسرح ، وتنظيم رحلات استكشافية وزيارات لتبادل التجارب في هذا المجال.

وحرصا من تعاونية “إفسر” على تجويد تجربتها، تعمل، بالإضافة إلى توفير المواد الأولية ووسائل العمل بشكل ذاتي ووضعها رهن إشارة منخرطات التعاونية، على تطوير هذه الحرف وتلقينها للراغبات في ذلك، من خلال تنظيم دورات تكوينية لفائدتهن، من قبيل الدورة الجارية حاليا بدعم من “نادي المبادرة الوطنية للتنمية البشرية بالمدرسة الوطنية العليا للمعلوماتية وتحليل النظم” بالرباط لإسناد مشروع تطوير وتأهيل الزربية التناغملتية ، علاوة على العمل على تطوير تسويق منتوجات التعاونية، والتعريف بهذه الزربية محليا ووطنيا وعالميا.

وفي سياق متصل أبرزت حادة شفيق، عضوة بالتعاونية وحاصلة على شهادة الإجازة، أهمية مشروع صناعة الزربية وأثره الإيجابي على وضعية المرأة القروية بهذه المنطقة ، مشيرة في هذا الصدد إلى أنه علاوة على أنه يشكل “مصدر رزق ودخل مادي” لهؤلاء النساء ، فهو أيضا بمثابة “فضاء لتنشيط الحركية الاقتصادية بالمنطقة ، ومتنفس ونقطة التلاقي والاندماج الاجتماعي والثقافي، وتفجير الطاقات الإبداعية النسائية”، مما يستلزم تطوير وتوسيع مثل هذه المبادرات، بهدف تعزيز حقوق النساء ووضعهن الاقتصادي والاجتماعي والاعتباري.

وبمناسبة ذكرى 8 مارس، تستحضر هؤلاء النساء ، في شهادات ولقاءات معهن ، دلالات هذا اليوم الذي يحتفي بالمرأة وكفاحها المتواصل من أجل تعزيز حقوقها السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وتكريس قيم الإنصاف والمساواة وتكافؤ الفرص، بالنظر إلى الأدوار الطلائعية التي أصبحت تضطلع بها ، وانخراطها في الشأن العام والحياة السياسية، وأوراش التنمية المستدامة ومسارات البناء الديمقراطي على المستوى الوطني والجهوي والمحلي.

وأعربت هؤلاء النساء أن انخراطهن في مثل هذه المشاريع التعاونية، كان له الأثر الكبير والعميق على أوضاعهن الاجتماعية والاقتصادية نظير مساهمتهن في تنشيط الدورة التسويقية بالمنطقة وتحقيق استقلالية مالية تقيهم الحاجة والفقر ، ولكن قبل ذلك كله، مكنهن هذا المشروع الجماعي من تغيير وضعهن الاعتباري والقيمي، بعد أن أصبحن منتجات، ومساهمات في تحمل مصاريف بيوتهن ومساعدة أسرهن، مما كان له انعكاس طبيعي على وعيهن الذاتي ونظرة المجتمع لهن ولدورهن، جعلهن أكثر إصرارا على تطوير هذه المشاريع وتوسيعها، وارتياد افاق واسعة تساعدهن على التمكين الاقتصادي وتحسين أوضاع المنطقة، حتى تخرج من عزلتها وهامشيتها إلى دينامية تنموية تعود بالنفع على الجميع.