إقليم خنيفرة.. مؤهلات طبيعية وثقافية وتراثية متنوعة لا توازيها دينامية سياحية تنموية

بني ملال – يزخر إقليم خنيفرة بمؤهلات طبيعية وبيئية وتاريخية وثقافية مادية ولامادية غنية ومتنوعة، لا توازيها دينامية سياحية محلية، من شأنها أن تشكل قاطرة لتنمية جهوية مستدامة ومتكاملة.

لقد تظافرت عوامل التاريخ والجغرافيا والتراث والثقافة لتشكل، عبر عصور مختلفة، هذا المجال الذي يعتبر إحدى الملتقيات التجارية العريقة للمغرب القديم والوسيط، ومكونا حضاريا متميزا وسم المنطقة الفاصلة تاريخيا بين فاس ومراكش مرورا بحاضرة بني ملال-تادلا ، مما أهله للاضطلاع بأدوار طلائعية في بناء صرح التاريخ الوطني القديم والمعاصر .

غير أن ضعف العرض التنموي وعدم إيلاء السياحة المحلية البعد الاستراتيجي المطلوب في كل تنمية مستدامة وشمولية أعاق استثمار هذه المؤهلات في مشاريع تنموية تكاملية مع باقي أقاليم جهة بني ملال-خنيفرة.

فالإقليم يحظى كما هو معروف بخصوصيات ومقومات طبيعية وثقافية وتاريخية، تتمثل في منظومة طبيعية وتضاريسية وبيئية متنوعة من غابات ومنتجعات ومحميات ومنابع وبحيرات ومواقع وثروات نباتية ومائية وحيوانية ومجالات لصيد وقنص الحيوانات والطيور البرية ، ومغارات وصناعة تقليدية وتراث مادي ولامادي خصب، إلا أن الدينامية السياحية بالمنطقة ما تزال بطيئة بسبب غياب البنيات التحتية والمنشآت والفضاءات السياحية الملائمة لتنشيط السياحة الجبلية على سبيل المثال، وهو ما ينعكس سلبا على وتيرة التنمية جهويا.

لائحة العطاء الطبيعي الساحر والمؤهلات الخلابة للإقليم طويلة، تكفي الإشارة إلى الغابات الشاسعة الغنية بتنوعها البيولوجي والنباتي التي تغطي أكثر من 40 في المائة من المساحة الإجمالية للإقليم (حوالي 526 ألف هكتار)، بمساحة أشجار الأرز والكروش تناهز 31 ألف هكتار تضم وحيشا مهما وحيوانات خاصة ومميزة، والمجالات الواسعة للجولات والاصطياف والمنتجعات الشاسعة والجميلة التي يمكن أن تستغل كمصايف لمحبي المناطق الجبلية، ومن أهمها منتجع “أجدير” الذي تم إدراجه ضمن المواقع الطبيعية المصنفة.

كما تزخر المنطقة بالمسابح الطبيعية لمنطقة “حبرشيد” والبحيرات ذات الصيت العالمي من قبيل بحيرة “أكلمام أزكزا”، التي تقع على علو يصل إلى 1500 متر، وكذا بحيرة “تكلمامين”، التي تضم ثروة سمكية مهمة وتعد ملجأ للطيور المهاجرة، إضافة إلى الإمكانات الرياضية من مدارات للجولات الترفيهية والرياضية بمختلف أشكالها (المشي، الركوب على الدواب، الدراجات النارية والعادية…) ، والمغارات ومجالات الصيد والقنص وأماكن لممارسة التسلق.

عبق التاريخ حاضر في هذا المجال الحضاري من خلال المآثر التاريخية والقلاع والحصون والمدن الأثرية والتاريخية كمدينة “فزاز” بأروكو و”إغرم أوسار” ، والزوايا كالزاوية الدلائية، علاوة على الموروث التراثي والفني الغني والمتنوع ، الذي يتمازج فيه البعد الأمازيغي والعربي، بما يفتح الإمكانية لإدماج الثقافة والفن في المسار التنموي للمنطقة.

وعلى الرغم من جاذبيتها السياحية، يرى المندوب الإقليمي لوزارة السياحة والنقل الجوي والصناعة التقليدية والاقتصاد الاجتماعي لبني ملال عبد الفتاح باودن، أن النشاط السياحي بالجهة عموما ، ومن ضمنها إقليم خنيفرة، ظل متمركزا بنسبة 80 في المائة في المناطق الجبلية، المعروفة بصعوبة الولوجية إليها، وبالارتفاع الكبير لكلفة تأهيلها أو الاستثمار بها، بالنظر لعدم وجود ضمانات ربحية لفائدة الرأسمال الخاص، علاوة على هيمنة الطابع السياحي القروي والجبلي الذي يغلب عليه طابع “سياحة أفراد لا مجموعات”.

وبدوره، سجل قيدوم الصحافيين بالجهة أحمد بيضي، في تصريح لوكالة المغرب العربي للأنباء، غياب عدالة مجالية، حيث “هشاشة البنيات التحتية الأساسية لتنشيط دورة السياحة الجبلية، وانعدام أي قطب سياحي محلي يعتمد مقاربة تشاركية مع مختلف المتدخلين في القطاع، ويسهر على حماية الإرث الثقافي والتاريخي، والتراث المادي واللامادي”، متسائلا عن أسباب عدم إحداث مندوبية إقليمية للسياحة أو إرساء مخطط عمل لإنعاش السياحة المحلية على أقل تقدير.

واستعرض السيد بيضي مختلف الإكراهات والاختلالات، من بينها على وجه الخصوص “غياب بنيات تحتية ومسالك وطرق أساسية تساهم في تنشيط السياحة وجلب السياح، وانعدام بطاقات للمواقع والمؤهلات السياحية بالإقليم، ولا حتى مبادرات تعمل على إحصاء المناطق القابلة للتهيئة السياحية بغاية وضعها رهن إشارة الفاعلين الاقتصاديين والمنعشين السياحيين، مقابل تسهيل مساطر الاستثمار السياحي وإحداث موقع إلكتروني للتعريف بمقومات الإقليم، وبالمواقع التي يمكن استغلالها حتى في رياضات التزحلق والتسلق والطيران الشراعي والقفز المظلي، ولم لا في تشجيع الاستثمار السينمائي بالنظر لما يمتاز به الإقليم من مناظر وخصوصيات فريدة…”.

وبدوره، أشار الفاعل الجمعوي المصطفى تودي ، عضو جمعية “مدرسي علوم الحياة والأرض” فرع خنيفرة ، إلى أن إكراهات ومعيقات القطاع السياحي بالإقليم ، تتمثل أساسا في ” محدودية أثر السياسة العمومية على المنطقة سياحيا ، وعدم الاهتمام بالبعد التنموي للسياحة المحلية والإيكولوجية، وضعف الوعي البيئي لدى السكان والمسؤولين والمنتخبين الذي من شأنه التحفيز على تثمين المؤهلات الطبيعية للمنطقة والمحافظة عليها، وهشاشة بنيات الاستقبال السياحي ، وضعف إمكانات التأطير لدى جمعيات المجتمع المدني، وغياب تسويق فعال للمنطقة كمنتوج سياحي، وعدم تفعيل القانون المتعلق بالمناطق المصنفة والمحمية…”.

ومن أجل تنمية النشاط السياحي في هذه الجهة، يدعو مختلف الفاعلين في هذا القطاع إلى تضافر جهود جميع الفعاليات الحكومية والهيئات المنتخبة والخواص والتنظيمات المهنية الموكول إليها الترويج للصورة الجميلة للجهة، من خلال تطوير المقاربة التشاركية ، والسياحة الجبلية، بالنظر إلى المؤهلات السياحية والطبيعية التي تحظى بها المنطقة، التي كانت رائدة على المستوى الوطني في هذا النوع السياحي.

كما يشددون على ضرورة تعزيز دور القطاع الخاص في تقوية العرض السياحي على مستوى الجهة وإقليم خنيفرة على وجه الخصوص، سواء على مستوى النقل السياحي أو خدمات المطعمة أو تنظيم الأسفار وإحداث مؤسسات إيواء حديثة ومتنوعة تستجيب لمختلف أنواع الطلب السياحي، والعمل على تحسين الولوجية إلى المناطق السياحية الجبلية، وفتح الممرات والمسالك الغابوية وتغطية أهم المواقع ذات الأهمية السياحية.